في أعماق حضن الوطن‎

  الأربعاء, 13 ديسمبر 2017 | 12:40 ص | كتبه: aaaaa
article

بعد حوالي سبعة عشر سنة و نيف بين خيم الجؤ و مضارب العلم و عطل في سلام بعيدا عن الوطن و بعد سنة تدريبية غيرت مسار بوصلة الحياة لدي لتنبش في ذاكرة أحلامي حلم اللقاء.
حلم راوضني لسنين و لون أحلام طفولتي و شبابي ليزهر حدائق العمر بفرصة الارتماء في أحضان الوطن الجريح و لترتفع هامات شاب ساقته الأقدار بعد حوالي ال18 سنة من الفراق بينه و بين وطن.
كنت متمسكاً بذالك الحلم الذي راوضني كغيري من أبناء جيل المخيمات و كنت متأكداً بأن الله لن يخذلني في ذالك ، كانت دفاتري زمن الدراسة لا تخلوا من رسومات لخريطة الوطن و لسيارات مكشوفة مزركشة بألوان عسكرية و بأناقة سلاح لكلاشينكوف كنت ازينها و بشعارات الثورة كنت ارسم عناوين الأيام
كنت أُعقاب في كل مرة بسبب تلك الرسومات إلى أنني كنت مصمم على أن الطريق إلى الوطن ليست بالقريبة و لا هي بالبعيدة بل بمقدار ما نقدمه نحن الثائرون من أجل ذالك
طويت تلك الصفحة من طفولتي و بدأت أخرى بفضل الله تعالى و بعد تأديتي للواجب الوطني بالمدرسة العسكرية الشهيد الولي مصطفى و توجيهي إلى إحدى نواحي جيش التحرير الشعبي  كان ذلك بمثابة بداية اللقاء الذي راوضني منذ الطفولة و عنوان فخري و تاج شبابي و عز رجولتي و مقامي ، كان كل ذالك و أكثر مختزل في لقائي بأرض الوطن كفرد من أفراد جيش التحرير الشعبي مؤمن بحتمية النصر و بقدرة مؤسسة الجيش على استكمال ما تبقى من تحرير الأرض و العرض
بداية اللقاء كانت في مساء بارد نسبياً حين كنت اتجول بين خيم انهكتها الأيام بين كثبان مخيم دائرة اجريفية
الساعة تشير إلى حدود السادسة تقريبا قبيل صلاة المغرب بقليل حين بدأت مكبرات الصوت المخصصة بإشعار المواطنين تتلو بلاغها الذي جاء على الشكل التالي
إشعار
إلى جميع مقاتلين الناحية العسكرية الثالثة الدفعة اراهي ماشيا الصبح السبعة بكري من أمام مقر الدائرة.
دقت صافرات الجاهزية و الحماس بداخلي و توجهت مباشرتا إلى خيمة أهلي و بدأت في تحضير ما تبقى من أشياء قد تساعدني فيما يعرف بالحياة الجندية أذكر من بينها على سبيل المثال جهاز مذياع صغير الحجم و بيطاكة مجلدة ههههه
نمتُ تلك الليلة و لم أنم حقاً من شدة الفرح و الترقب لما هو آت و مع أولى ساعات الفجر عمرت كأس من اتاي هههه و قبل الساعة السابعة صباحاً وقفت وقفة الجندي المنضبط عند مقر الدائرة و أمام أعين أفراد الحراسة الذين اشادو حينها بحماسي المنقطع النظير
وصل بعد دقائق من اوقوفي هناك رجلين يرتديان الزي الرسمي للجيش بخلاف الزي الذي ارتديه انا و هو زي عسكري آخر مخصص لمدارس التدريب العسكرية و ما أن وقفا بجانبي حتى باشر أحدهم بسؤال ( انت من الدفعة الجديدة )... فكان جوابي ب نعم رحبا بي و كأنني قدمت إليهم في بيت أحدهم و بدأ الحديث عن دور الشباب و أهميته في مؤسسة الجيش و ما هي إلا دقائق حتى وصلت شاحنة المنجريس و هي تشق هدؤ و صمت المخيم صباحا لنعتلي صهوة المجد مع الرفاق لتبدأ رحلة العمر نحوا البقاع المقدسة غربا في تيرس مرورا بجنان زمور تحت ظل سيادة الجمهورية و إدارة صناع مجد الأمة
ما ان خرجنا من بوابة الولاية الغربية حتى بدأ الترحيب بالعناصر الجدد على الدفعة من على متن شاحنة المنجريس و هي تشق طريقها غربا نحوا الوطن حيث كان لنا اول امتحان كأفراد جدد في صفوف الجيش بعد حوالي ساعة من الإنطلاق حين انفجرت إحدى عجلات الشاحنة و اطررنا إلى التوقف لتغييرها كان ذالك في حدود الساعة الثامنة والنصف تقريباً نزلت الرجال بسرعة و بدأت عملية تغيير العجلة المتفجرة و أظهرت المجموعة الجديدة عن رغبتها الجامحة في العمل الجماعي أمام الدعم الحماسي المنقطع النظير من بقية الرفاق من المقاتلين ، تمت العملية في ظرف قياسي بتعاون مع مختص في الشأن لتتواصل الرحلة في جو من الهيبة و الفخر يرافقه عزف صوت المنجريس في خلا الصحاري و مزاح المقاتلين المرافق لقصص و حكاية حرب التحرير
كنا نسأل عن كل شي عن كل شبر من تلك الأرض عن كل واد عن كل تلة فكانت الإجابة بلسان رحم يتخيل لك من سماعه بأنه صوت أبوك.
كانوا بمثابة آبائنا و أخوة و كانوا حقا احسن رفاق و اجمل و أطيب أصدقاء قد تلتقي بهم في هذه الدنيا
بدأو في شرح معالم الأرض منذ دخولنا حدود الوطن و بدأت نبتاته هي الأخرى تدخل ضمن الحديث لنستقر في إحدى أودية زمور للمبيت في أول ليلة على أرض الآباء و الأجداد توقفت الشاحنة و بدأ الرفاق في إنزال مستحقات المبيت و ما هي إلى دقائق حتى أُشعلت النيران و حددت مجموعات المهام في جو أقل ما يقال عنه أنه الاروع
لم يتم تكليفي في تلك الليلة بأي من المهام لأجلس بجانب الشهيد بإذن الله تعالى الخراشي و هو يغلب كوؤس الشاي بنوعيه ( اتاي و الكندرة ) رفقة مزاح رقيق يجري بينه و رفيق دربه الكوري أحمد زين ليتداخل ذالك المزاح مع آخر لسائق الشاحنة و هو شخصية فريدة من نوعها ارجو من الله أن يكون في أحسن الأحوال يدعى بمبة ولد برأي أطيب خلق الله و أرحب صدر كان مزاحه يسير على الجميع شيب و شباب و كانت مغامرات الحرب و حكاياتها تسير بين نجوم سماء الوطن الصافي و أرضه الطاهرة المسقية بدماء شهداء كانت لاضرحتهم شهادات حية في ذاكرة الرفاق
لم نشرب ثالث كؤوسنا من الشاي حتى بدأ أحد النسور باستخراج الخبز المحضر وسط حفر في التراب تحت نيران هادئة و أمر مجموعة الخدمات بتحضير الأواني لتوزيع وجبة العشاء بين المجموعات التي كانت في مجملها ضمن مجموعة دائرية واحدة حول مكان نيران صغيرة يتم تحضير الشاي عليها في دفئ بعض النباتات التي نستعملها كوسيلة لكسر قوة الرياح الغربية الباردة في تلك اليلة
تم بفضل الله تناول وجبة العشاء الذي رحب من خلالها المقاتلين برفاقهم الجدد و التي تمثلت في وجبة أمريفيسة تقليدية دافئة تساعد متناولها على الصمود في وجه برد الساحلية
بعد إنتها وجبة العشاء تم جمع كل المستلزمات و وضعها في أماكنها على متن الشاحنة و لم يبقى على الارض إلا مستلزمات الشاي و بطانيات أفراد الدفعة
أخذ كل واحد يبحث عن موقع إستراتيجي للمبيت و تم تحديد مكان معين للعناصر الجدد عند العجلات الخلفية للمنجريس و بداء وشاح ليل زمور يرافق برده الغربي القارس يداعب أصوات أشجار الطلح و همسات مذياع مقاتل تشير إلى نهاية دوام نسر من نسور جبهة البوليساريو
-----للحديث بقية---
بقلم - أسلوت أمحمد سيد أحمد

التعليقات

لا توجد تعليقات
أضف تعليق

إستطلاع الرأى

من يتحمل فشل المشاركة الصحراوية في مهرجان الشباب والطلبة بروسيا؟

88%
12%