إرادة الشعب الصحراوي   

لا يـــسلم الشرف الرفيع من الآذى ** حـــــتى يراق على جوانبه الدم

ولا يسلم حمـــــلة الفكر الــــــنزيه من بطــــــش الجلادين  

حتى يجلجل صوت الحرية في آذان المضطهدين

فأينما وجد موسى وجد فرعون...  

تلك إذن هي أرادة الشعوب التي لا تقهر والآلة الديناميكية والوسيلة الناجعة لكسر شوكة الجبابرة والمتسلطين، وهي السيف المسلط على رقاب العملاء والجلادين

 

 

     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إلى مهاجر

 

السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته

 

وبعد :

أخي العزيز ،

   تذكر أنني أتوجه إليك برسالتي هاته، والتي أود من خلالها أن أستشعرك بخطئك الذي أقدمت عليه وفعلتك التي فعلت، بعدما أوحت نفسك أن تلقي بها  في قارب شبيه بتابوت موسى، لتصبح تتسكع في مجتمع لاتمت إليه بصلة ولايمت إليك بصلة وداخل وطن كف يده عنك وأدار وجهه إلى ظهره رافضا استقبالك ورغم ذلك أصررت على أن ترتمي في أحضانه أتعلم لماذا ؟ لأنك دخيل عليه ،ولأنك  لا تعرف معنى الوفاء فقد تخونه في أي وقت كما خنت أرضك التي هي منك وأنت منها ... فأي أرض تلك الأرض التي اخترتها وآثرتها على أرضك  التي نشأت فيها، وألفت ماءها وهواءها وظلالهاوافياءها وخضرتها وغبارها . وأي  قلب ذلك القلب الذي يحمل لك في سويدائه من الحب والعطف أكثر مما يحمل لم قلب أمك فاستبدلته به وسكنت  إليه ، فلمن تترك أبويك وأنت أنيس وحشتهما وسمير وحدتهما وعماد حياتهما وكل أملهما ورجائهما في هذا العالم...

 الم تفكر أن أمك لن تستطيع أن تهنأ بنومها حيثما تمد يدها  في ظلال الليل وسكونه إلى مضجعك فلا تراك بجانبها، وكيف تستقبل وجه النهار إذا فتحت عيناها في الصباح فلا تقعان على وجهك المشرق الجميل، أو تجد لذة الطعام والشراب إذا جلست الى المائدة فلم تراك مع الجالسين ،أو تصغي إلى أصوات الطبيعة وصوتك المجلجل لا تنبعث رناته بين رناتها ...

 ألم تفكر في وطنك الذي استقبلك نقطة في رحم أمك ورضي بك طفلا تحبو فوق كثبانه الذهبية وبادلك فرحة الصبى ،وأهداك من أحجاره لعبا تقضي بها أوقاتك، ومن "كركازه" ورودا تهديها للأغلى من تحب، حتى إذا بلغت أشدك جحدت معروفه وامتطيت ظهر البحر تبحث عن وطن آخر غير وطنك الذي بادلك نفس الإحساس والشعور غير مبال بجرجرة الآذي ولا هبوب العواصف  التي تهب في أي وقت، وتبيع نفسك بثمن بخس فلماذا لاتضحي من أجل وطنك وشعبك الذي هو في لأمس الحاجة إليك....

 لمن تترك أرض أجدادك؟؟ لمن تترك أمجادهم؟ لمن تترك الأطلال التي كان السلف يتغنى بها في  سيرته الذاتية ...؟ تذكر أن الأرض التي رحلت إليها تنعدم فيها  أشجار "الطلح "و"الكرزيم" و"لحبالية" و"الكركاز" وتذكر أنك لن ترى بعد اليوم "أم دريكة" و"كليبات الفولة" والواركزيز" و"كرب الهوى" .... وتذكر أنك لن تجد بعد اليوم من يسرد عليك روايات "شرتات" و"اسريسرذهبو" وتذكر أنك لن تشاهد بعد اليوم جماعة من المشيب يلعبون  "ظامة" وجماعة أخرى من النساء يلعبن "السيك" وتذكر أنك لن تاكل بعد اليوم" زحليكة شويهات أمك"  وتذكر أنك جردت نفسك بنفسك من عادات أجدادك وتقاليدهم  منذ ركبت ذلك القارب المشؤوم وتذكر.....

أخي العزيز

ماكنت اظن ان إنسانا في قدر ك قد يتسرب الياس في يوم من الأيام إلى نفسه ،وماكنت اظن أن إنسانا مثلك يتولى عن الزحف الجماهيري المتواصل من طرف أبناء هذا الشعب المخلصين والأوفياء لمبادئهم، بعدما إستشعر ناقوس الخطر الذي دقته كل خيمة في براري الصحراء وكل منزل في شوارع المدن المحتلة.

أخي العزيز..

الم يذكرك التاريخ يوما  أن "الولي مصطفى السيد" و"محمد سيد إبراهيم بصيري" و"الحافظ بوجمعة" و"حمدي لمبالركي" و"لخليفي ابا الشيخ" وغيرهم، إسترخصوا دمائهم في سبيل الوطن فلم يركبوا قوارب الموت ولم يتسللوا خلسة الى البراري لتحتضنهم، ولكن يقول المثل الصحراوي "مبعد ذا ألي تمس من ذا ألي يوجعني ". واسمح لي أن أطرح عليك سؤالا واحدا: أيهما أحرى بالخروج أنت الذي نشأت في هذه الأرض التي احتضنتك منذ نعومة أظافرك أم ذلك العرش الدخيل ذي الشهوة التوسعية والنزعة الإمبريالية..؟ قد أكون أدركت إجابتك تماما، لكن كيف لي بعزاء أمك إذا سئلت عنك الليل و النهار، والبر والبحار، وهي حزينة تبكيك وتسال عنك الطيور البارحة، والنجوم السابحة ،وقد كنت نفسها الذي تتنفس به ، تحزن لحزنك  وتبكي لبكائك فلا تأكل حتى تأكل انت ولاتشرب حتى تشرب أنت وتبيت الليل سامرة وبيدها سبحتها المعهودة تصلي من أجلك حتى تعود، ومع ذلك يكون هذا هو جزاؤك لها ،الآن صرت أدرك تماما مدى عمق القولة التي تقول :

لولاد يالـــــما تكـــــافو ** انتوما بلول الكلب وانتوما انشافو....

فهل انت مستعد لمحكمة التاريخ....؟؟؟

أخي العزيز

ماكنت أتصور في يوم من الأيام أنك ستدير ظهرك عن شرفك ،وكرامتك، وعنفوانك، وتوقع على خاتمة حياتك وتطرق باب ذلك البحر اللجي وقد تركت شعبا بكامله قسمته الآلة الإستعمارية إلى ثلاثة أجزاء: جزء في مخيمات العزة والكرامة، وجزء يكابد مرارة الإحتلال، وجزء في غياهب السجون ،ومع ذلك لم يستسلم هذا الشعب المقدام الذي يزاوج بين التحرير والبناء لمدة تزيد عن 30 سنة .. إنما أريد أن أذكرك فإن الذكرى تنفع المؤمنين .....

هل تعلم أن الذين يخوضون المعارك الضروس في شوارع المدن المحتلة هم أبطال انتفاضة الاستقلال، هم أبناء شعبك الذي يطالب بحقه في تقرير المصير .. هم رفاقك الذين اختاروا الشهادة فوق ارض الوطن بدل موت ذليل في أرض لست منها ولامن أهلها .. هم رفاقك الذين فضلوا شرف الإعتقال على ما فضلته أنت..

إنه ليؤسفني حقا أن تتخلى عن أغلى شئ يملكه الإنسان في وجوده تخليت عن شعبك،عن حنان أمك،عن وطنك وتلك هي الطامة الكبرى ، لقد قُرأت عليك سورة" يس" منذ تسربت تلك الأفكار الدخيلة إلى عقلك وركبت المخاطر تبحث عن مجتمع تكون فيه إنسانا آخر غير الذي كنت ،لكنني أدعو لك بدعاء السلف الصالح الذي يقول فيه :

" الله لا إكَيمنا تو أًهٍليكَتنا "

 

وفي الأخير تقبل مني صويحبي العزيز أسمى عبارات التقدير والاحترام ...

 

حرر بتاريخ 26 نونبر 2005

حي الغفران الزنزانة رقم 5

السجن لكحل العيون المحتلة

الصحراء الغربية

 

 

           المعتقل السياسي والطالب الصحراوي

حمادة سلامة بوجمعة إسماعيلي