إرادة الشعب الصحراوي   

لا يـــسلم الشرف الرفيع من الآذى ** حـــــتى يراق على جوانبه الدم

ولا يسلم حمـــــلة الفكر الــــــنزيه من بطــــــش الجلادين  

حتى يجلجل صوت الحرية في آذان المضطهدين

فأينما وجد موسى وجد فرعون...  

تلك إذن هي أرادة الشعوب التي لا تقهر والآلة الديناميكية والوسيلة الناجعة لكسر شوكة الجبابرة والمتسلطين، وهي السيف المسلط على رقاب العملاء والجلادين

 

نـــــداء الصـــــيــــف

     

 

 

إبراهيم الصبار ناشط حقوقي، مختطف سابق، قضى زهاء 10 سنوات في غياهب الدهاليز السرية بقلعة مكونة و هو الكاتب العام لجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة من طرف الدولة المغربية.

من مواليد 1959 بالكصابي بكلميم، متزوج و أب لثلاثة أبناء، عفاف و عفان و صلاح الدين. كان عرضة لمجموعة من الملاحقات و المتابعات. تم اعتقاله رفقة آخرين يوم 17 يونيو 2006 أثناء عودتهم من مدينة بوجدور. يسعد موقع انتفاضة ماي أن يستضيف في هذا الاستجواب أحد النشطاء الحقوقيين.

 

1: السيد الصبار، أنت أحد مؤسسي الحركة الحقوقية بالصحراء الغربية و أحد نشطاء الانتفاضة المباركة. الكل يجمع على هذا، فمن هو الصبار؟

 

جواب:   بداية دعوني أعبر لكم عن جزيل امتناني على استضافتكم لي في احضان منبركم الإعلامي، انتفاضة ماي، الذي يشكل في نظري دعامة إعلامية مهمة تواكب انتفاضة الاستقلال. و جوابي على سؤالكم، فأنا من مواليد سنة 1959 بمنطقة الكصابي بكلميم. و بهذه المنطقة تابعت دراستي حتى السنة الثالثة ثانوي التي يتم فيها الحصول آنذاك على شهادة البروفي Brevet و اتي يعادلها الآن التاسعة إعدادي. كانت هذه الشهادة تخول لي آنذاك الانخراط في سلك الوظيفة العمومية. كان ذلك سنة 1976. و بما أن عمري لم يتجاوز حينها 17 سنة فقد اشتغلت كموظف متدرب بالجماعة المحلية بمدينة كلميم ثم في سنة 1979 التحقت بمدينة الداخلة كموظف بالباشوية إلا أنني بعد سنة و ثلاثة أشهر من العمل انفصلت طوعا عن وظيفتي لأختار العمل في القطاع الخاص كمحاسب بشركة ثم، بحكم تمردي على كل قيد يمكن أن يسلبني حريتي، فتحت مكتبا عموميا بحثا عن هذه الحرية التي سرعان ما افتقدتها بسبب اختطافي يوم 14 غشت 1981 لأقضي 10 سنوات في الاختفاء القسري بالمخبأ الرسي السيء الذكر قلعة مكونة.

و بعد إطلاق سراحي سنة 1991 تفرغت للعمل النضالي في البداية على المستوى السياسي. و في غشت سنة 1993 و بعد أن جمعني لقاء مع أعضاء من منظمة العفو الدولية فرع الدانمارك بدأت أفكر في تحويل اهتمامي للعمل الحقوقي. و مما حفزني، و يعود الفضل لهم في ذلك، أنه لم يكن بإمكان أي أجنبي، إعلامي أو حقوقي، دخول إقليم الصحراء الغربية بسبب الحصار المفروض من طرف دولة الاحتلال المغربية على الإقليم.

 

2:ما هي أبرز المحطات المأساوية التي كنت عرضة لها في مسيرتك النضالية الطويلة و الشاقة؟

 

عندما أتذكر مأساتي كإنسان أتذكر معاناة أسرتي خلال اختطافي و ما تعرضوا له من الآلام بسبب ذلك. و بعد إطلاق سراحي هناك معاناة زوجتي و أبنائي الذين أفارقهم في الغالب بسبب انشغالاتي بل لا أتوقع في الغالب أن يروني ثانية. كانت كل هذه المأساة الخاصة بالإضافة إلى تعرضي عدة مرات للاعتداءات الجسدية و للاعتقالات و التهديدات من طرف سلطات القمع المغربية، كانت كل هذه المعاناة و المأساة الخاصة تذوب و تهون مقارنة مع المأساة أو الكبرى التي نتعرض لها كشعب عانى من التعذيب و القمع و الاختطاف و الاعتقال و الاغتصاب و القتل و الإبادة و الاضطهاد و اللجوء و الإبعاد عن الوطن. هذه المأساة التي عايشت أشكالا مختلفة من أوجهها كمختطف سابق بل و خبرت الكثير من خباياها كناشط حقوقي و كمدافع عن حقوق الإنسان، قد جعلتني أنسى ما هو خاص رغم ألمه الحاد و القاتل بل تجعلني انتفض من شدة القتل لأحيى من جديد و أقاتل.. أنسى ما هو خاص لأن هذه المأساة التي نعيشها كشعب تحت الاحتلال جعلتني لا أشعر يوما أنني قد فارقت المخبأ السري الذي قضيت فيه جزءا غير يسير من عمر الشباب إلا لأشعر من جديد أنني داخل سجن كبير حدوده الوطن، لا تفارقني قط أصوات الأطفال الذين عذبت أمامهم على يد البوليس المغربي بثكنة PC CMI بمدينة الداخلة سنة 1981، خلال حملة الاختطاف التي كان ضحيتها أكثر من 70 فردا من كل الفئان و من كلا الجنسين. لا زلت أسمع أصواتهم و هم يبكون من شدة الرعب، أولئك الأطفال لا تفارقني صورهم و هم يعذبون و هم عراة، أسمع أصوات النساء و صراخهن تحت التعذيب، لا زلت أسمع أنات المعذبين في كل مكان، لا زلت أتذكر سنوات الاختطاف حيث الألم و الأمراض الفتاكة و الجوع و الموت المتناثر في كل مكان، لا زلت أتذكر تلك الوجه الشاحبة ساعة الاحتضار، لا زلت أرى الدموع و الدماء في كل مكان، عايشت رفاقي المختطفين الذين يحمل كل واحد منهم بين ثناياه رواية ألم، رأيت دموع الثكالى و سمعت و أحسست آلام الأرامل و أبناء مجهولي المصير، شاهدت ما يفعله المحتلون يوميا على وقع الانتفاضة من بطش و تنكيل بالنساء و الشيوخ و الأطفال، فكيف لي أن أذكر أبرز المحطات مأساوية تعرضت لها خلال مسيرتي النضالية و أنا أرى مأساة شعب مستمرة و بدون انقطاع.

 

 :3 تقبع الآن خلف القضبان بالسجن لكحل الرهيب. كيف كانت ظروف اعتقالك الذي كنت مطاردا و ملاحقا و كانت الكلاب البوليسية و المخابرات متعطشة لإلقاء القبض عليك؟

 

جواب:   بعد اندلاع انتفاضة الاستقلال على إثر ترحيل السجين السياسي أحمد محمود هدي الكينان، و انطلاق حملات الاعتقال في صفوف المتظاهرين الشباب، قامت الاستخبارات المغربية بالترويج عبر الجرائد المغربية للائحة اعتبرتها قيادة محلية تتحمل المسئولية في ما أسمته شغبا و كان إسمي موجودا على هذه اللائحة مع وصفي بأنني أكبر المتشددين المناوئين لما أسموه بحقوق المغرب الشرعية. و إقحام إسمي في اغلب المحاضر التي تم بموجبها محاكمة العديد من المناضلين حتى من لا أعرفهم، و صدور مذكرة بحث عن لائحة من النشطاء الحقوقيين تتضمن أيضا إسمي. كل هذا الاستهداف اعتبرته مجرد تهديد و ترهيب للحد من أنشطتي و رغم بدء الاعتقالات التي شملت نشطاء حقوقيين لم أغادر الإقليم و لم أتوقف عن ممارستي لعملي الحقوقي إلا أنني كنت أتوقع اعتقالي في أي وقت. تعرضت ليلة استشهاد شهيد الانتفاضة حمدي المباركي للضرب و الإهانة و السب و الشتم أمام المفوضية المركزية للأمن رفقة مناضلين آخرين و في اليوم الموالي تم اعتقال رئيس الجمعية الصحراوية، إبراهيم دحان، التي أعتبر كاتبها العام. و في الليلة الموالية كانت هناك محاولة لاختطافي من شارع السمارة بالعيون. و منذ ذلك الحين اختفيت عن الأنظار عدة أشهر تخللتها عدة مطاردات و ملاحقات و بحث مستمر لاعتقالي. و حاولت أن لا أوفر لهم هذه الفرصة قدر الإمكان.

بعد الإفراج عن جل المعتقلين السياسيين و النشطاء الحقوقيين في شهر أبريل 2006، بدأت أتحرك بطريقة عادية فكنت أتنقل بين الجرحى و المعطوبين لأعاين ما تعرضوا له على يد قوات الغزو الهمجية. و في الثالث من يونيو صدر لي حوار أجريته مع الأسبوعية المغربية البيضاوي- و اعتقلت على إثر ذلك لعدة ساعات يوم 04يونيو 2006، تعرضت للتهديد و للترغيب و محاولات الإغراء و استغربت في الحقيقة كيف انهم لم يحتفظوا بي و لم يقدموني للمحاكمة. و في يوم 17 يونيو، يوم الذكرى السادسة و الثلاثين لانتفاضة الزملة الخالدة اعتقلت أنا و رفاقي أحمد محمود هدي الكينان عضو الجمعية الصحراوية و أحمد السباعي عضو مجلسها التنسيقي، بعد اعتراض سبيلنا بكل همجية، خلال عودتنا من مدينة بوجدور حيث قمنا بالإشراف على تأسيس لجنة محلية لفرع بوجدور للجمعية الصحراوية. فتم اعتقالي بتهم جنحية ملفقة بمعية رفيقي الكينان و أخيه، و لا زلت متابعا بمعية رفيقي أحمد السباعي في ملف جنائي تعود مسطرة البحث المرجعية فيه إلى مذكرة البحث التي أشرت إليها و التي سبق أن اعتقلت بها المناضلة الحقوقية أمينتو حيدار و الآخرين.

 

4:ما هي الأجواء التي طبعت المحاكمة الصورية التي كانت مرافعتك فيها عن القضية الوطنية رفقة زملائك أبرز عناوينها و التي كانت مسرحية درامية روتينية الإخراج و المشاهد و أنت الذي تمت متابعتك في ملفين؟

 

جواب:   لقد أجدتم وصف هذه المحاكمة الصورية.في الحقيقة هي مجرد مسرحية درامية روتينية سيئة الإخراج و المشاهد لا تخرج عن طبيعة المحاكمات غير العادلة التي دأبت الدولة المغربية على إقامتها بعد فشلها في الاستمرار في حملات الاختطاف التي كانت ممنهجة على نطاق واسع إلى زمن قريب.

لقد حضر في مرحلة الاستئناف لمؤازرتنا هيأة دفاع تتشكل من أكثر من 10 محامين أكفاء و 4 مراقبين دوليين من إسبانيا و فرنسا. و لعل ما عبرت عنه المراقبة الأستاذة فرانس وايل، عن منظمة حقوق و تضامن الفرنسية و عن اللجنة الدولية للحقوقيين الديمقراطيين، من خلال تقريرها و الندوة التي عقدتها على إثر ذلك لدليل قوي على الظلم الممارس و على عدالة الاحتلال القائمة بين ظهرانينا متجلية في محاكمها غير العادلة.

خلال هذه المحاكمة تم تأكيد الحكم الابتدائي الذي يعتبر الحكم الأشد عقوبة في هذا النوع من التهم. فبالنسبة لي سنتان سجنا نافذة و ثلاث سنوات لهدي الكينان و سنة موقوفة التنفيذ لأخيه. أما نحن فنعتبر هذه السنوات أوسمة شرف لا تفزعنا بل تزيدنا عزما و إصرارا و تشبثا بالنصر.

إذن فالمحاكمة الصورية التي كانت بحق مسرحية سيئة الإخراج و رديئة للغاية، كانت بالنسبة لنا فرصة لمحاكمة النظام المغربي من خلال سياساته القمعية و السالبة لحقوق الإنسان الصحراوي و على رأسها حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير. كما كانت فرصة أخرى لتجديد إدانتنا لكل الممارسات القمعية و الإرهابية التي تطال جماهير شعبنا. و على العموم فهذه المحاكمات هي بالنسبة لنا محطات نضالية يجب فضح النظام المغربي خلالها كما أنها عوامل تحفيزية لواصلة المسير في اتجاه انتزاع حق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف.

 

 :5 تعيش الآن رفقة أبطال آخرين على إيقاع مضاعفات صعبة و خطيرة نتيجة الإضراب عن الطعام البطولي الذي تخوضونه منذ الرابع من سبتمبر. كيف هي الحالة الآن و هل من بوادر توحي بتخلي الإدارة عن سياستها القديمة الجديدة التي لها نفس العناوين، التعنت، اللا مبالاة و الاستهتار؟

 

جواب:    رغم خوضنا لعدة إضرابات إنذارية و توجيهنا لعدة مراسلات للجهات المعنية و دخولنا في إضراب مفتوح عن الطعام لمدة 35 يوما، خضناه منذ 14 سبتمبر 2006 إلى يوم 10 أكتوبر 2006، لم نسجل أية بوادر توحي بتخلي الإدارة المغربية عن ما هو معهود فيها من تعنت و لا مبالاة و تماطل، رغم المضاعفات الصحية الخطيرة التي عانينا من جرائها. . و هنا أريد أن أؤكد على أن لجوءنا للإضراب المفتوح كان اضطراريا لفعل الوضعية المزرية التي نعيشها داخل معتقلات النظام المغربي. كما أن الإضراب المفتوح هو أيضا أسلوب حضاري في النضال من داخل هذه المعتقلات، و هو أيضا صدى، داخل السجون المغربية، للنضالات الجماهيرية التي تخوضها جماهير شعبنا يوميا ضد القوات المغربية الهمجية. و بالتالي فهي بالنسبة لنا معركة متواصلة و مستمرة و حلقة من حلقات النضال العام من اجل إقرار الحقوق المشروعة للشعب الصحراوي و من أجل فضح ممارسات النظام المغربي داخل إقليم الصحراء الغربية.

و هنا لا بد من توضيح أننا أوقفنا الإضراب عن الطعام استجابة للنداءات المتكررة الصادرة عن عائلاتنا و عن المجتمع المدني الصحراوي و التي كانت تنطلق علة ضرورة الحفاظ على سلامتنا الجسدية و النفسية خاصة بعد تسجيل حالات جد خطيرة في صفوف المضربين.

و سيبقى شعارنا الذي خضنا به هذا الإضراب المفتوح:

معا لخوض النضال السلمي بكل الأشكال       من أجل الكرامة و الحرية و الاستقلال

منبع الاستمرار في معارك نضالية مقبلة.

و في الخير أود التعبير لكم عن جزيل شكري و امتناني لكونكم أتحتم لي هذه الفرصة للتواصل مع زوار موقع انتفاضة ماي الذي اعتبره أحد الأعمدة الأساسية للإعلام الوطني الصحراوي و الدي يمكن اعتباره صوت و صورة الشعب الصحراوي داخل المناطق المحتلة و إضافة نوعية في المشهد الإعلامي عموما. فشكرا لكم على هذا الاهتمام الذي عبرتم عنه تجاه معاناة المعتقلين و وفقكم الله و النصر لا محالة قريب.